الصفحة الرئيسية / كتابات وآراء / تفجير المنازل إرهاب وعقاب سياسي
حسين الوادعي

تفجير المنازل إرهاب وعقاب سياسي
السبت, 05 سبتمبر, 2015 10:02:00 صباحاً

شخص ملثم يوصل عددا من الأسلاك ببعضها ثم يخرج من المنزل مسرعا ليضغط على جهاز التحكم عن بعد، فينفجر المنزل ويتطاير إلى شظايا من الغبار والتراب، بينما صيحات "الله اكبر" تتصاعد من أفواه الرجال الملثمين.
تتلاشى صور الدمار ويغادر الملثمون المنتشون بصرخات النصر ورايات "الجهاد"، لتتوقف الصورة عند صبي صغير أشعت الشعر، يقعد يائسا حزينا أمام منزله المهدم ضعيفا ومعزولا أمام مستقبل مجهول وحياة قاسية لا يفهم لماذا تتعامل معه هكذا....
هذان المشهدان يمثلان التسارع المتزايد لظاهرة تفجير المنازل كجزء من "العقاب السياسي" في البلدان التي أصبحت ساحة للحروب الأهلية والمواجهات الطائفية.
لدينا أربع دول عربية على الأقل صار تفجير المنازل فيها ظاهرة يومية في إطار صراع الميلشيات الطائفية التي تسيطر على الأرض.(العراق وسوريا واليمن) بالإضافة الى (مصر)، وإن كانت الظاهرة لازالت محصورة في سيناء فقط.
في اليمن وقف اليمنيون مذهولين أمام ظاهرة تهديم مئات المنازل والمساجد في صعدة والجوف ومأرب وعمران وصنعاء والبيضاء وذمار وأبين وشبوه واب، منذ استيلاء الحوثيين على العاصمة في 2014 وفرضهم لسلطة الأمر الواقع. بعض هذه البيوت كانت لأشخاص منخرطين في مواجهات عسكرية ضد مليشيات الحوثي، لكن الكثير منها كان ملكا لأشخاص لم يكن بينهم وبينها أي قتال.
في نماذج هدم المنازل في اليمن نلاحظ أن "التفجير" يرتبط عضويا بسياسة "التأديب" و"التهجير". فتدمير منزل عائلة ما أو منازل قرية معينة، الهدف منه تأديب المقاومين وردعهم. لكنه أيضا يؤدي إلى إنهاء ارتباط الناس بالأرض التي يعيشون عليها وتشريدهم أو تهجيرهم. يهجر الحوثيون العائلات التي تقاوم أو تنتقد الجماعة وأحيانا يجري تدمير حي بأكمله من أجل الاستيلاء عليه (خور مكسر، كريتر). ومن الطبيعي أن تتلو سياسة التهجير ممارسات مثل "احتلال " البيوت التي لم يتم تفجيرها والسكن فيها من قبل المليشيا المنتصرة باعتبارها "غنيمة".
وإذا وضعنا في الاعتبار أن كافة التنظيمات التي تمارس سياسة "تفجير المنازل" في الدول الأربع هي بمعنى أو بآخر تشكيلات طائفية مقاتلة. وإذا تذكرنا أن التنظيمات الطائفية لا تكتفي فقط بالاستيلاء على السلطة بل تسعى أيضا للاستيلاء على المجتمع (وتهجيره أو تدميره حين يستعصي الاستيلاء عليه)، فإن سياسة تفجير المنازل لا يمكن فهمها إلا في إطار نقل الصراع من السلطة إلى المجتمع ومن "المنافسة السياسية" إلى "التطهير الطائفي". والتطهير هنا لا يعني بالضرورة القتل بل قد يتخذ أشكالا عدة من التهميش والسيطرة والقمع العنيف.
إلى جانب التأديب والتهجير فإن تفجير المنازل نوع من "العقاب الجماعي". فالإصرار على تشريد عائلات الخصوم السياسيين ليس اعتباطا، وإنما هو مرتبط بسياسة "الصدمة والرعب"، وإرسال رسائل قاسية إلى الجميع تهدف للقضاء على أي إمكانية للمقاومة بجعل ثمنها غاليا جدا وجماعيا، بحيث يصيب العائلة بأكملها أو المدينة بأكملها أحيانا، وتصبح المدينة مجبرة على الوقوف بنفسها في وجه المقاومين من أبنائها حتى لا يتعرضوا لغضب المليشيا.
تفجير البيوت بهذا المعنى ليس عقابا جماعيا فقط، بل هو عقاب عابر للأجيال. العقاب يشمل هنا عدة أجيال من العائلة التي ستفقد ارتباطها بالأرض وستهرب خوفا من الانتقام وستعيش في فقر مدقع بعد تفجير منزلها. وبما أن التنظيمات العرقية أو الطائفية المسلحة تنظر للآخر دائما كعدو محتمل يجب قتاله حتى ولو لم يكن متورطا في مواجهتها بشكل مباشر، فإن الصراع العرقي أو الطائفي غالبا ما يكون طويلا ومتناقلا عبر الأجيال بأحقاده وثاراته التي لا تنسى.
في اليمن يمكن اعتبار عدن وتعز على سبيل المثال نموذجين لتأديب مدينة كاملة بتدميرها حتى لا "تقترف" خطيئة المقاومة مرة أخرى. وهي رسالة أيضا للمدن الأخرى أن الجماعة صارمة في التعامل مع أي مقاومة! في يوم واحد فقط فجرت جماعة الحوثي أكثر من 20 منزلا في قرية صغيرة في مديرية أرحب بمحافظة صنعاء.
تهدف الجماعات المسلحة من تفجير المنازل إذا تحقيق عدة أهداف: التأديب والتهجير والتطهير والعقاب الجماعي. وفي النهاية القضاء على إمكانيات وبؤر المقاومة عبر جعل ثمن المقاومة غاليا جدا وعابرا للأجيال. لكن هذه السياسة لا تنجح دائما بل قد تؤدي إلى توسيع قاعدة المقاومة. وهي في كل الأحوال ظاهرة ستظل صادمة ومؤلمة للضمير الجمعي اليمني لسنوات طويلة.

* هنا صوتك - إذاعة هولندا

للمزيد من التفاصيل والاخبار تابعوا صفحتنا على الفيس بوك


شارك المقال أصدقاءك:

لندك ان جوجل بلس أضافة للمفضلة طباعة المقال
1414

لا تدع الأخبار تفوتك، أحصل على آخر الأخبار على بريدك:
 آخر أخبار يمن برس
الجيش الوطني يهاجم مواقع المليشيات في وادي حيران ويسيطر على مواقع ويغنم أسلحة (صور)
قرارات جمهورية بتعيين اللواء الزنداني نائباً لرئيس هيئة الأركان واللواء رويس رئيساً لهيئة العمليات
صدور قرارات جمهورية بتعيين البحسني محافظاً لحضرموت والحارثي لشبوة والسقطري محافظاً لسقطرى
قائد العمليات المشتركة يتفقد قوات مكافحة الإرهاب والشرطة العسكرية وحماية المنشأة في عدن
إب : مصرع عدد من قيادات جماعة الحوثي في حادث مروع بنقيل سمارة
مقتل القيادي الحوثي «أبو مراد» وعدد من مرافقيه في شبوة
 
تعليقات حول المقال
  • الغرض من خدمة التعليقات هي إيضاح وجهات النظر المختلفة فنرجو إلتزام الموضوعية والجدية في التعليق
  • "التعليقات تمثل أصحابها" ، فالرجاء عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
0  تعليق




لاتوجد تعليقات الأن. كن أول شخص وأكتب تعليقك على المقال
No comments yet. Be the first and write your comment now




أضف تعليقك :
الأسم *
الموضوع
كود التحقق *
التعليق (الأحرف المتاحه: --) *
 *حقول لا يجب تركها فارغة

 



 
 
حمل تطبيقاتنا على جهازك أو هاتف الذكي وتابع معنا آخر الأخبار والمستجدات
 
 
 
كاريكاتيرات
 
 
فيديو
 



 

[ الكتابات والآراء تعبر عن رأي أصحابها ولا تمثل في أي حال من الأحوال عن رأي إدارة يمن برس ]  -  جميع الحقوق محفوظة لـ يمن برس 2006 - 2014 ©