الصفحة الرئيسية / كتابات وآراء / نبي أم جد؟
محمد جميح

نبي أم جد؟
الخميس, 24 ديسمبر, 2015 11:05:00 صباحاً

يحتفل الكثير من المسلمين بميلاد النبي محمد، عليه الصلاة والسلام، على أساس أنه «نبي فكرة»، فيما يحتفل بعضهم بميلاده على أساس أنه «جد أسرة».
وبين «محمد النبي» و»محمد الجد» يكمن فرق هائل بين جماهير الشعوب الإسلامية، التي تؤمن بـ»الإسلام الفكرة»، وزعامات التشيع السياسي التي تحاول تكريس مفهوم «الإسلام الأسرة»، أو بين من ينتسبون إلى «الأب النبوي»، ومن يحاولون الانتساب إلى «الأب الأسري».
وعلى الرغم من أن الاحتفال بالمولد النبوي لم يكن معروفاً قبل الحقبة الفاطمية في مصر، إلا أن الكثير من المسلمين يرونه مناسبة للاحتفال والفرح، لا غبار عليها. مع الإشارة إلى أن الفاطميين جعلوا «المولد النبوي» مناسبة سياسية لترسيخ فكرة «محمد الجد»، للتأكيد على انتمائهم بالنسب إلى شجرة النبي، وهو الأمر المهم لترسيخ مكانتهم السياسية والدينية في المغرب الإسلامي، مقابل مكانة العباسيين في المشرق، الذين وظفوا كذلك فكرة «العباس العم» لأغراضهم السياسية آنذاك.
ومع الزمن تحول الاحتفال بالمولد النبوي إلى أداة دعاية سياسية في يد فئة بعينها تريد أن تكرس «تميزها» سياسياً ودينياً على غيرها، بتكريس فكرة «محمد الجد»، على حساب فكرة «محمد النبي»، كما تفعل تيارات التشيع السياسي اليوم. وعلى الرغم من انتصار القرآن للرؤية الحداثية المدنية القائمة على أساس «الانتماء للفكرة»، ضد الرؤية التقليدية القبلية القائمة على أساس «الانتماء للأسرة»، وعلى الرغم من رفض القرآن لفكرة «محمد الأب»، وانحيازه لفكرة «محمد النبي»، إلا أن تيارات التشيع السياسي منذ القدم أبت إلا أنت تنتصر لفكرة «محمد الجد» على حساب «محمد النبي»، لتكريس «حقها الإلهي» في السلطة والثروة.
وقد جاء في القرآن نص واضح يقول «ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين»، في نفي واضح لـ»أبوته»، وانحياز واضح لـ»نبوته»، كما أن الواقع التاريخي يتحدث عن أن النبي مات بدون أن يترك أبناء من الذكور، في تعضيد واضح للانحياز للفكرة دون الأسرة. غير أنه، وجرياً على سلوك المجموعات البشرية، في اختراع تكتيكات معينة تمكنها من وسائل السلطة والثروة، دأبت قيادات سياسية شيعية في الماضي والحاضرعلى «أسطرة المؤنسن»، هذه الأسطرة لم يكن المقصود بها النبي في ذاته، ولكن «أسرة النبي»، لا لشيء إلا للاستفادة من «الفكرة»، وتوظيفها توظيفاً سياسياً لصالح «الأسرة»، في حيلة تحول بموجبها النبي ذاته – بقصد أو بدون قصد – إلى مجرد «تكتيك سياسي»، ضمن سلسلة معقدة من التكتيكات التي سعت بها «الأسرة» للوصول إلى السلطة والثروة على مدى تاريخ من الحروب التي كانت في ظاهرها دينية/طائفية، ولكنها في حقيقتها كانت دنيوية/سياسية.
وبالطبع تحفل كتب التراث بنصوص كثيرة منسوبة إلى زعماء سياسيين شيعة يتحدث فيها الزعيم عن «جدي»، مشيراً إلى النبي محمد، في اختصار واضح للدين في النسب، وفي اختزال مقصود للنبوة في الأبوة، لقصد واضح هو تحويل «النبي الديني» إلى «جد سياسي»، في محاولة مكشوفة لتستفيد هذه الزعامات السياسية من «الجد» على حساب «النبي»، مع جناية واضحة على «ميراث النبوة» بتحويله إلى «تراث القبيلة»، وفي محاولات مستميتة للتحول عن «الفكرة» التي بها نال النبي التكريم، إلى «الأسرة» المؤسطرة التي تريد تكريمها على حساب الأفكار التي حملها النبي نفسه.
وقد استمرت محاولات تغييب الجانب «النبوي» في شخصية محمد لصالح الجانب «الأبوي» في تلك الشخصية لدى زعماء التشيع السياسي، حتى انتهى الحال بهذه الشخصية التاريخية العظيمة إلى النظر إليها على أساس أنها «مؤسس أسرة مالكة»، سعى لتمكين أسرته من بعده، وتسليطهم على أموال الناس التي تؤخذ اليوم لدى تيارات التشيع السياسي باسم الخمس، الذي لا يتورع أن يسميه فلان أو علان من القادة الدينيين والسياسيين «حق جدي»، والذي يدخل ضمن سلسلة من «التوتميات» المؤسطرة، التي أسست لفكرة «الحق الإلهي» الذي يدور حول حق «الأسرة» في السلطة والثروة.
لا يمكن بالطبع الحديث عن هذه التكتيكات التي فبركتها جماعات التشيع السياسي قديما وحديثاً بمعزل عن المقولات التاريخية التي فبركتها ظروف معينة اتسمت بالحروب والصراعات السياسية بين فرعي قريش من الأمويين والهاشميين، التي تحولت مع الزمن إلى صراعات تاريخية بين فريقين قوميين من المسلمين هما: العرب والفرس، ليتجلى الخلاف الطائفي السني الشيعي في صورة خلاف قومي عربي فارسي في واحدة من تمظهراته الواضحة على الساحة الإسلامية.
إن نقض فكرة «الحق الإلهي» التي لا تزال تعشش في أذهان الكثير من منتسبي «الإسلام الأسرة» اليوم لن يكون ما لم تتم مراجعة جادة لنصوص كثيرة في التراث الإسلامي، أسست لمسألة «محمد الجد»، على حساب فكرة «محمد النبي»، حتى انتهى الأمر إلى تحويل «الجد» إلى رمز للتسلط الاقتصادي والسياسي، وكأن النبي جاء ليؤسس لملك أسرته، وهو الذي رفض عرضاً بأن يكون ملكاً على العرب، تجبى إليه الأموال، وظل طول حياته يردد «لست عليهم بمسيطر»، في رفض واضح للسلطة، ويردد «ما سألتكم عليه من أجر فهو لكم»، في رفض عفيف للثروة.
هذا التسامي فوق السلطة والثروة هو الذي ميز الشخصية المحمدية عن غيرها من الشخصيات المتهافتة اليوم عليهما بكل الوسائل الممكنة، حتى لو أدى ذلك إلى إفراغ شخصية محمد من المحتوى النبوي وتحويلها إلى مجرد «أيقونة» تبرز في الطقوس والمناسبات لخدمة الطامحين للسلطة والثروة في العالم الإسلامي.

* من حائط الكاتب على موقع "فيس بوك"

للمزيد من التفاصيل والاخبار تابعوا صفحتنا على الفيس بوك


شارك المقال أصدقاءك:

لندك ان جوجل بلس أضافة للمفضلة طباعة المقال
581

لا تدع الأخبار تفوتك، أحصل على آخر الأخبار على بريدك:
 آخر أخبار يمن برس
الحكومة الصينية تعفي اليمن من الديون المقدرة بأكثر من 700 مليون يوان
صالح يعتبر استهداف كوادره إرهاباً ويقدم قائمة بـ 44 ناشطاً حوثياً من المسيئين لحزبه
مليشيا الحوثي تشكل غرف عمليات لاستقطاب الأطفال والزج بهم في جبهات القتال
نجاة نائب رئيس الوزراء «جباري» من محاولة اغتيال في منطقة طور الباحة بلحج
«الحوثي» يستعد لمحاكمات جماعية لأتباع صالح تمهيداً لتغيير الخريطة السياسية لصنعاء
محافظ تعز: الإمارات هي السبب في تعثر المعركة والتحالف العربي لا يدعم القوات الحكومية في المحافظة
 
تعليقات حول المقال
  • الغرض من خدمة التعليقات هي إيضاح وجهات النظر المختلفة فنرجو إلتزام الموضوعية والجدية في التعليق
  • "التعليقات تمثل أصحابها" ، فالرجاء عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
0  تعليق




لاتوجد تعليقات الأن. كن أول شخص وأكتب تعليقك على المقال
No comments yet. Be the first and write your comment now




أضف تعليقك :
الأسم *
الموضوع
كود التحقق *
التعليق (الأحرف المتاحه: --) *
 *حقول لا يجب تركها فارغة

 



 
 
حمل تطبيقاتنا على جهازك أو هاتف الذكي وتابع معنا آخر الأخبار والمستجدات
 
 
 
كاريكاتيرات
 
 
فيديو
 



 

[ الكتابات والآراء تعبر عن رأي أصحابها ولا تمثل في أي حال من الأحوال عن رأي إدارة يمن برس ]  -  جميع الحقوق محفوظة لـ يمن برس 2006 - 2014 ©