الصفحة الرئيسية / كتابات وآراء / كفانا رهانا على هادي
هاني غيلان

كفانا رهانا على هادي
الخميس, 16 أغسطس, 2012 09:40:00 صباحاً

يحكى أنه بعد (وعد بلفور) خرجت الشعوب العربية في مضاهرات تهتف: (فليسقط وعد بلفور، ليسقط وعد بلفور) وأن إحدى تلك المضاهرات مرت بشيخ عجوز، ‎كان المسكين أُمياً ولم يسمع في حياته بمصطلح ‫"وعد بلفور‫" ولكن لدعته حرارة الموقف فهاج وثار معهم وراح يهتف محاولا أن يستخدم نفس النغمة‫ ‫"فليسقط واحد من فوق‫.. فليسقط واحد من فوق‫" تذكرت تلك القصة وتذكرت ما يحكى عن بعض إخواننا في المحافظات الجنوبية قبل الوحدة وكيف كانوا يخرجون في مسيرات عارمة هاتفين (تخفيض الراتب واجب.. تخفيض الراتب واجب) بدلا من المطالبة بتحسين ظروفهم وأوضاعهم المعيشية المتردية، كتعبير عن حالة غريبة عبر عنها علماء الإجتماع بقولهم (الشعوب تستهويها سلوك القطيع) فعندما ينخرط الشخص في الحركة الجماهيرية يخسر حريته الفردية ويذوب في الحشد، الأمر الذي يحرره إلى حد ما من إلتزاماته ومسؤولياته، ويخفف من حدة تأنيب الضمير وإحساسه بالذنب حيال فشله، ويعطيه شعورا زائفا بالأهمية والأمان والراحة، ‎بما ينسجم مع القول الشهير لأحد رجال هتلر‫: (لقد التحقنا بالنازية لكي نتحرر من حريتنا‫) ‎بينما لم يكونوا أحرارا فعلا، بل عبيدا لقادتهم! وطاعتهم العمياء لأولئك القادة حررتهم إلى حد ما من مسؤولياتهم تجاه الوضع الإقتصادي والمعيشي التي كانت تعاني منه ألمانيا في ذلك الوقت‫ وتبريرا لما إرتكبوه من جرائم وفضائع!!‬‬‬‬‬‬‬‬‬

اليوم تعصف بذهني عشرات الأسئلة عن الثورة وعن السبب الذي ثار لأجله شعبنا ودفع شبابنا للتضحية بأرواحهم الغالية مقدمين قوافل الشهداء، أولئك الأفذاذ العزل إلا من تطلعاتهم النبيلة وآمالهم المشروعة! لماذا نسيناهم أو تناسيناهم ولماذا بدأت تدريجيا تخف تلك الأصوات المدوية وتتلاشى تلك الشعارات الرنانة التي كانت تتردد ملء الآفاق والأفواه عن التغيير والحرية والكرامة والعدالة ودولة القانون؟.. هل كنا صادقين عندما تعاهدنا على إسقاط نظام صالح وعائلته بفسادها وفقرها وبؤسها وإنفلاتها وتسيبها وظلمها وإستبدادها؟.. إن كنا كذلك فماذا استجد اليوم إذاً وما الذي تحقق على أرض الواقع؟ لماذا قبلنا بإعطاء صالح ومن معه (الحصانة القضائية)؟ ولماذا لا يزال نجله يقود القوات الخاصة والحرس الجمهوري؟..لماذا عجزت نصف حكومتنا المحسوبة على الثورة عن (إطلاق المعتقلين وسجناء الرأي) فضلا عن محاسبة من نكل بهم؟ ولماذا لا تعلن إستقالتها إبراء لذمتها أمام الله وأمام الشهداء وأمام الناس؟.. لماذا إنتخبنا الرئيس عبدربه هادي؟ لم راهنا عليه أصلا؟ ولماذا نرقص ونصفق عند كل قرار يجود به علينا -وإن كان عديم الجدوى- ونهتف عاليا -كما هتفنا لمن سبقوه من قبل- كالببغاوات: (إمض بنا يا ريس.. يحميك الله.. قود السفينة يا ربان.. وإحنا معاك) وربما أن منا من لم يسمع بفحوى تلك القرارات ولا يعرف شيئا مطلقا عنها!

الأمر الذي ذكرني بالتجربة التي قام بها أحد علماء النفس عندما حبس كلب في غرفة لها باب واحد وعرض الكلب للصدمات الكهربائية، فقفز الكلب من شدة الألم وركض باتجاه الباب فوجده مغلقا، ‎كرر العالم التجربة حتى اُصيب الكلب بحالة من الإحباط والإعياء و‫فقدان الأمل‫، توقف عندها عن الركض باتجاه الباب، لأنه تشكلت لديه قناعة من أن الباب مغلق ولا أمل له في الهروب، عند تلك النقطة فتح العالم الباب للكلب وراح يعرضه للصدمة الكهربائية من جديد، دون فائدة إذ ظل الكلب في مكانه متبلداً ومسمرا دون حراك! وهي حقيقة عبر عنها الشاعر العربي بقوله: (من يهن يسهل الهوان عليه.. ما لجرح بميت إيلام)..‬‬

بالأمس أقال الرئيس المصري محمد مرسي وزير الدفاع ورئيس الأركان دفعة واحدة معلنا إياها (ثورة فاصلة متجددة) على رموز النظام القديم، على الفاسدين والمتقاعسين والمتخاذلين، بينما يحبوا قطار التغيير في بلادنا مثقلا مترنحا بعكازتين!! ثوار مصر يحتفلون بـ (محاكمة مبارك وأعوانه) وإقالة (قيادات المجلس العسكري) ونحن نحتشد تأييداً لقرارات هادي السلحفائية مرددين (راحت عليك الفرصة يا حمودة)! بدلا من إستهجان تلك القرارات الجوفاء القاضية بضم اللواء أ للمنطقة ب واللواء ب للمنطقة أ، في الوقت الذي يظل الحيتان الكبار في مواقعهم -التي لا يجرؤ أحد على الإقتراب منها- ممسكين بتلابيب الأمور، ويظل صالح يمتلك القوة الضاربة متربعا في (دار الرئاسة) يحيك المؤامرات ويدبر الدسائس، وعلى عيونكم يا أثوار!! فلماذا نحتفل ونحتشد يا ترى، لا أدري!!

ليبرز السؤال مرة أخرى عن الفارق بييننا وبينهم؟ هل خذلنا العالم وتآمر علينا أم خذلنا نحن العالم بتقاعسنا وتخبطنا؟ّ هل آمنا بالتغيير حقاً كما آمن به غيرنا وأخلصوا له وأرادوه واقعا معاشا بكل جوارحهم؟ هل بدأنا بتغيير أنفسنا فعلاً كما بدؤوا هم بتغيير أنفسهم فغير الله ما بهم! فقد كان الموظف المصري مثلا ينتظم في مكتبه ليؤدي عمله على أكمل وجه وبعد إنتهاء الدوام يحث الخطى مسرعاً لـ (ميدان التحرير) بينما كنا نهمل ونتغيب ونؤجل واجباتنا نمضغ القات ونخزن في الخيام لساعات، نرسم ونخطط، نتناقش ويعلو زعيقنا وصراخنا، ننبني قصورا في الهواء ونسبح في بحور الأماني والأحلام، فتمر الشهور والسنوات بنا ولا يتحرك ساكنا!

يُحكى عن العالم الروسي بافلوف، أنه كان ينتظر مساعده في المخبر على أحر من الجمر، لأنه تأخر عن موعده، ‎ولما فتح له الباب وسأله عن سر تأخره رد المساعد‫: كنت منهمكا أهتف مع الثوار ضد القياصرة‫، ‎فرد بافلوف بقوله‫: يا بني‫ (الحقائق العلمية لا تنتظر الثورة) أرجوك في المرة القادمة أن تنهي عملك ثم تلتحق بالثورة‫!!
‬‬‬‬‬
كلاهما صعد للسلطة بعد ثورة شعبية عارمة أطاحت بسابقيهما وكلاهما تولى الحكم عبر إنتخابات حرة وشفافة، ولكن مع فارق جوهري واحد هو أن الرئيس عبدربه هادي حصل على ما لم يحصل عليه مرسي من إجماع شعبي وتأييد دولي وإقليمي، إضافة لخبرة طويلة إكتسبها من عمله الطويل نائبا للرئيس ومن قبل وزيرا للدفاع، الأمر الذي يفتقد إليه (مرسي) الذي وصل للحكم بفارق بسيط لا يكاد يذكر عن منافسه، وبخبرة متواضعة وملفات صعبة جدا وأوضاع مستعصية جدا جدا، لكن الأمور لا تقاس بالخبرة ولا بالإجماع الشعبي ولا بالتأييد والدعم الدوليين ولا بالقدرة على إختلاق التبريرات والتسويفات ولا بغير ذلك كله، بل تقاس بـ (الإرادة) والإرادة فقط، إنها قوة تنبع من داخل الإنسان من شعوره بمسئولياته التاريخية وإيمانه المطلق بحقه وحق أولاده وأحفاده في حياة أفضل وتوقه العظيم للحرية والإنعتاق وإحداث التغيير والنهضة والتنمية الشاملة، أما ما يأتي من الخارج فمجرد مكملات وديكورات ورتوش!!

لهذا سيتقدمون وسينهضون وسيرتقون إلى أعلى عليين وسنبقى نضرب أخماسا بأسداس، لقد أدرك غيرنا أنه (إما نكون أو لا نكون) أن الحرية كل لا يتجزء.. شعاراً وممارسة، فكرا ومنهجا.. إذ كيف (يستقيم الظل والعود أعوج)، كيف يدعوا بعضنا للعدالة والمساواة وهو قروي وعنصري حتى الثمالة ومستبد وديكتاتور حتى العظم؟ كيف يطالب بعضنا بالحرية والديموقراطية وقد تشربوا بـ (ثقافة الإستبداد) منذ نعومة أظافرهم؟ ثقافة رسخت كره الإنسان لأخيه الإنسان في الوطن الواحد! كيف يطالب بالتحرر من قبضة الديكتاتور من كان سببا في وجود ذلك الديكتاتور وإستمراره طوال عقود، ‎أصلا لا شيء يبرهن على نضوج الإنسان في فهمه للحرية وإستحقاقه لها إلا إيمانه العميق بحق غيره في أن يمارس تلك الحرية ممارسة كاملة غير منقوصة!

وأخيرا فان الثورة إن لم يصحبها تطور ونهوض ثقافي وقيمي وإجتماعي فلن تعدو عن كونها هيجان جماهيري فقط؟.. فكيف يرفع شعارات الثورة والتغيير من هو فاسد أصلا من أعلى شعره حتى أخمص قدميه، إذ ليس التغيير يافطة ترفع ولا لحنا يردد، ولا هو إستبدال صنم بصنم آخر، ولا مجاراة ومسايرة وتقليدا لغيرنا من الشعوب، بل هو سلوك وسمو ورقي يبدأ من داخلنا نحن، يدفعنا للتضحية والبذل والعطاء لا للأخذ والإستحواذ والهيمنة، إعترافا بمسئولية كل منا تجاه مجتمعه وتجاه الأجيال القادمة، لينتقد كل منا نفسه ويصلح أعوجاجه قبل إنتقاد الآخرين، وإلا فإنا سنظل ندمن العجز والفشل والنكوص والتبريرات الهروبية، نندب حظنا العاثر ونتجرع من نفس الكأس المريرة مرات عديدة، ليظل السؤال الكبير معلقا يبحث عن إجابة: لماذا تعثرت ثوررتنا يا ترى ولماذا ثرنا أصلا وهل نحن جديرون بالتغيير!!

للمزيد من التفاصيل والاخبار تابعوا صفحتنا على الفيس بوك


شارك المقال أصدقاءك:

لندك ان جوجل بلس أضافة للمفضلة طباعة المقال
798

لا تدع الأخبار تفوتك، أحصل على آخر الأخبار على بريدك:
تعليقات حول المقال
  • الغرض من خدمة التعليقات هي إيضاح وجهات النظر المختلفة فنرجو إلتزام الموضوعية والجدية في التعليق
  • "التعليقات تمثل أصحابها" ، فالرجاء عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
1  تعليق



1
رائع أبدعت يا هني
Thursday, 16 August, 2012 08:15:05 PM








أضف تعليقك :
الأسم *
الموضوع
كود التحقق *
التعليق (الأحرف المتاحه: --) *
 *حقول لا يجب تركها فارغة

 



 
 
حمل تطبيقاتنا على جهازك أو هاتف الذكي وتابع معنا آخر الأخبار والمستجدات
 
 
 
كاريكاتيرات
 
 
فيديو
 



 

[ الكتابات والآراء تعبر عن رأي أصحابها ولا تمثل في أي حال من الأحوال عن رأي إدارة يمن برس ]  -  جميع الحقوق محفوظة لـ يمن برس 2006 - 2019 ©