الصفحة الرئيسية / كتابات وآراء / السرّ وراء اختيار 30 ديسمبر كآخر موعد لتنفيذ جريمة الإعدام!!

نبيل أبو جعفر - باريس


مهما بالغ الأميركان في الحديث عن محاولتهم تأخير عملية إعدام الرئيس صدام حسين حتى الساعات الأخيرة، وألقوا بمسؤولية الاستعجال وتوقيت التنفيذ على عاتق أتباعهم فقط، وكأن القرار الأخير بيد هؤلاء، فإن أتباعهم لن يردّوا بالتكذيب القاطع لهم.

ومهما برّر اتباع الإحتلال جريمتهم وتحدّثوا عن "قانونية" الإجراءات، وما يُثبت رضى الأميركان واستعجالهم أيضاً، فإن الأميركان لن يرّدوا بالتكذيب القاطع كذلك، ويعود السبب إلى ان أياً منهم لن يكشف السّر الحقيقي الكامن وراء الاتفاق على هذا التوقيت الذي يُفترض أن يبقى طّي الكتمان، لأنه هو الفضيحة الأكبر في جريمة الإعدام، والتفاصيل التي فاقت الجريمة ذاتها، وهو ما ستكشفه الأيام حتى لو انقلبت عليه إدارة بوش التي لا يعرف أحد على أي جنبٍ تميل، خصوصاً وان ثمة أكثر من شاهد على الأرض في الجانب الأميركي حول سير هذه العملية وخفاياها مثل السفير خليل زاده، والجنرال جورج كيسي، وجاك غاردنر رئيس القوة الخاصة 124 المشرفة على المعتقلين، ومارغريت سكوبي مسؤولة القسم السياسي في السفارة الأميركية ببغداد، والجنرال وليام كالدويل الناطق باسم قوات الاحتلال، فضلاً عن مسؤول معسكر كروبر.

حتى الشمس والقمر يشهدان على ان عملية الإعدام كان يجب أن تتم – وفق هذا الاتفاق- قبل الساعة السابعة وست دقائق من فجر السبت 30 ديسمبر/ كانون الأول 2006، أي قبل موعد شروق الشمس في بغداد، وان ذلك كان شرطاً لا مهرب من تنفيذه لاستكمال تنفيذ ما يقابله!

هذه الحقيقة المخفية أراد الأميركان وأتباعهم في العراق طمسها بالكامل من خلال محاولة حرف أنظارنا عن جريمة إعدام الرئيس صدام، وإدخالنا فيما كانوا يعتقدون أنها تفاصيل يمكن ان تُلهينا عن الأساس، كتوقيت الإعدام صبيحة عيد الأضحى، وهو ما أعجب معظم الرسمية العربية التركيز عليه وكأن عملية التوقيت فقط هي المشهد الجرمي الوحيد، بمعنى لو تمّت العملية في أي يوم آخر لانتفت أسباب الاحتجاج عليها بانتفاء الجرم!

لكن رياح تكنولوجيا التصوير التي لم يُحسب حسابها أتت بما لا تشتهي سفن الأميركان وأتباعهم- ومعهم وقبلهم الملالي الفرس-، وجاءت النتيجة على نقيض ما خططوا له أضعافاً مضاعفة، عندما اكتشف العالم ان بشاعة "التفاصيل" قد فاقت بشاعة الجريمة ذاتها.



الضياع واختلال التوازن

لن ندخل في استعراض كل ما تداوله العالم ونشرته سائر وسائل الإعلام، كقول الأميركان أن المالكي هو الذي أصرَّ على التوقيت، وأنهم كانوا يميلون إلى تأجيله لما بعد اسبوع أو اثنين، أو قول بعض أركان الحكم أنه كان مهتماً بالموضوع أكثر من اهتمامه بزفاف ابنه في تلك الليلة، لأن المعلومات كانت تقول أن هناك خطة لتهريب الرئيس الشهيد إلى خارج الحدود لذلك سارعوا إلى تنفيذ عملية الإعدام، وكأن الرجل يمون على نفسه، أو كأن الأميركان طوع إرادته، وليس هو وأركان حكمه طوع إرادة عساكرهم وعناصر مخابراتهم!

.. ولكن الثابت بعد كل ما أظهرته أشرطة التسجيل بالصوت والصورة من حقد طائفي وعنصري فارسي مسعور ان أهل الحكم الأميركي في العراق قد دخلوا دّوامة من الضياع وفقدان التوازن تمثّلت بكمّ هائل من الأكاذيب والتصريحات المتناقضة، بدأت بتصريح لموفق الربيعي (مستشار الأمن القومي) عن انهيار الرئيس وخوفه، الذي سرعان ما تبين عكسه في مشاهد نادرة للرجولة والإيمان في التاريخ القديم والحديث وفرض على الربيعي التراجع عن كلامه ولم تنته هذه الأكاذيب عند تصريح الناطق باسم الطالباني انه لم يكن يعرف مكان وجود صدام ولا زمان توقيت الإعدام "!"، مع أن مستشاره الربيعي يعرف كل شيء واشرف على كل شيء، فلو كان الطالباني حارس مدرسة ابتدائية لعرف ماذا يجري فيها، فكيف وهو مسمّى رئيساً للجمهورية؟

حتى وعلى فرض أن الطالباني كان هو مستشار الربيعي أو حتى سائقه أو مرافقه (وليس رئيسه) لكان قد عرف بمكان وجود الرئيس صدام وسمع من قريب أو بعيد شيئاً عن مكان وتوقيت عملية إعدامه، بحكم تواجده معه.

لذلك، فإن هذه الأكاذيب وغيرها الكثير التي كان هدفها إلهاء العالم بالتفاصيل لم تجد نفعاً أمام انكشاف الحقائق، وأصبحت فضيحة الأميركان وإتباعهم ومعهم ملالي إيران ومعظم الرسمية العربية مثل كرة الثلج كلما تدحرجت كبرت أكثر وأكثر، رغم محاولة الأميركان إنقاذ سمعة أنظمتنا الحليفة لهم من خلال تصريح لأحد قادتهم العسكريين قال فيه انه لو قُيّض لهم تنفيذ عملية الإعدام لما تصّرفوا كما تصّرف العراقيون، وقد تبعه تصريح آخر أكثر بلاهة على لسان بوش نفسه قال فيه انه "كان يأمل ان تتم عملية الإعدام بطريقة أكثر لياقة"!!



تساؤلات مشروعة

وبالعودة إلى الفضيحة- النقطة الأساس- علينا ان نتساءل: لماذا تمّ الاستعجال الفجائي بعملية الإعدام، مع أن قضية الدجيل كما هو معروف، هي "الجريمة" الأخف من بين سائر القضايا الأخرى المثارة ضد القيادة العراقية، وهي التي لا يمكن المحاسبة عليها، لا هي ولا المواجهة مع إيران، لأنها تصرفات سيادية حصلت أثناء حرب، بل على العكس يمكن أن يحاسب عليها النظام إذا لم يتصرف إزاءها بشكل حازم في ظل أجواء الحرب أو إذا ما تواصلت الاعتداءات على أرضه دون ان يهبّ للدفاع عنها.

وسواء كان الردّ العراقي بحجم الاعتداءات أم اقلّ أم أكثر، فذلك أمر يعود لطبيعة ومقاييس أي نظام، ومدى تحمّله للإهانة أو رفضه لها، فلماذا إذن اكتفي بالحكم الذي صدر في قضية الدجيل إلتي لا يمكن أن يُجرّم عليها مسؤول في مثل هذه الحالة، ولم يجر الانتظار للحسم في القضايا الأخرى، أو قضية أخرى "أهم" على الأقل يمكن أن تُفتح فيها ملفّات، ويجري الكشف عن أسرار وممارسات لدول إقليمية ودولية؟

هنا دخل العامل الإيراني على الخطّ، وكان توقيته خبيثاً وباطنياً إلى أبعد الحدود، وقد تزامن مع اشتداد الحملة الإعلامية على المشروع النووي، وتحويل القضية إلى مجلس الأمن ليتخّذ بشأنها العقوبات اللازمة، وكان دخوله يستهدف التوصل إلى حل لهذا الإشكال من خلال صفقة تحقق لكل من الأميركان والإيرانيين مصالحهم الحيوية عن طريق التفاهم.

مصادر دبلوماسية أميركية في العاصمة الفرنسية باريس سّربت لأصدقاء لها في منظمة دولية، من بينهم دبلوماسي عراقي قديم، معلومات تكشف خفايا ما جرى بعد ذلك، وصولاً إلى الاتفاق- الصفقة التي تمّ التوصل إليها بين واشنطن وطهران. وهي صفقة لن تبقى سراً على أي حال، مهما غُطّي عليها بتصريحات تهديدية أو تحركّات، أو حتى لو انقلبت عليها أميركا لسبب أو لآخر.

تقول التفاصيل المتداولة ان التحرك الإيراني بدأ قبل أن تُنجز لجنة بيكر- هاملتون تقريرها حول العراق، الذي تضمّن فيما بعد توصية بفتح حوار مع البلدين الجارين للعراق إيران وسورية، -والمعنيّة هنا إيران أكثر من سورية- للوصول إلى حل.

وفي الوقت الذي وضع فيه بيكر ورفيقه هاملتون الرئيس الأميركي بصورته قبل نشره، بدأ النقاش الجدّي حول الموضوع. وما بين الكلام عن محاذير التحاور مع إيران، والكلام عن فوائد فتح أبواب الحوار معها، كانت الخطوات الأولى قد بدأت من بغداد، تجاوباً مع ما تضمنّه تقرير الرجلين، وانطلاقاً من رغبةً من بوش في إبراز قدر من الانفتاح تمّت موافقته على إجراء "تجربة أولية" مع طهران قد تدفع الإدارة إلى تبنّي هذا النهج وتطويره ان نجحت- على حدّ قوله- وهكذا تمّ تكليف السفير زلماي خليل زاده بهذه المهّمة وقد سارع إلى إرسال الإشارات اللازمة إلى طهران عن طريق مفاتيحهما المشتركة في بغداد.



الرأس الإيراني في بغداد

ولأن طهران لا تثق برجالات الحكم كالمالكي والطالباني.. ومن شابههما، فقد كان من الطبيعي تكليف رجلها وحامل جنسيتها عبد العزيز الحكيم لتمثيلها بهذه المهمة، فهو بالإضافة لكل "مزاياه" الفارسية المتعصبة يشترك معها ومع الأميركان في نقطة جوهرية واحدة هي الحقد على شخص صدام ورغبة الثأر منه. وهكذا التقى ممثل عن عبد العزيز الحكيم بالسفير الأميركي خليل زاده الذي سيصبح مندوب أميركا في الأمم المتحدة مكافأة له، وطرح الأول مخرجاً للأزمة الإيرانية – الأميركية- العراقية.. الخ.

حصل ذلك على ذمة المصادر الأميركية قبل صدور قرار مجلس الأمن بأسبوعين. وفي ضوء هذا اللقاء تمّت دعوة الحكيم لزيارة واشنطن، مع أن بوش قد أتى إلى عمان في هذه الأثناء وقابل المالكي سريعاً على انفراد، لكنه لم يلتقِ مع الملك عبد الله كما كان متوقعاً، وفُسّر ذلك تفسيرات شتّى منها أن المالكي لم يرد ذلك لأنه لا يرغب التحدث بوجود الملك الأردني، ومنها أن بوش لا يريد طرح ما لديه لا أمام المالكي ولا الملك عبد الله. بل مع "الرأس الإيراني" في بغداد.

معلومات المصادر الأميركية نفسها تقول أن ما تمّ الاتفاق عليه في واشنطن مع "الرأس الإيراني في بغداد" لا يمت بصلة لما تضمنته كلمة بوش الموجزة في البيت الأبيض، ولا لما تضمنته كلمة الحكيم القصيرة التي قرأها من ورقة مكتوبة أمام الصحافيين، بل يتلخّص بالنقاط التالية التي وقّع عليها "الرأس الإيراني في بغداد" بعد موافقة ملالي طهران- بالطبع-:

1- تتعهد إيران للولايات بتجميد العمل في مشروعها النووي وتوقيف عملية تخصيب اليورانيوم دون الإعلان عن ذلك، ولفترة يُتفق عليها، على ان لا يمّس ذلك حقها في الدفاع عن موقفها "المبدئي" المعلن، شريطة أن يُستأنف العمل في هذا الحقل بشكل سلمي وفق تنسيق إيراني- أميركي، وتحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة النووية.

2- استناداً لهذا التعّهد وفي ضوء ما سيترتب على تنفيذه من موجبات من قبل الطرف الآخر، تتفهم إيران القرار المنتظر صدوره عن مجلس الأمن بهذا الشأن، شريطة أن لا يمسّ عصب سياستها أو اقتصادها، ولا يندرج تحت البند السابع الإلزامي (يعني قراراً فارغ المحتوى وغير عقابي وهو ما حصل بالفعل)، على ان تحتفظ بحقها الطبيعي في الاستمرار بإعلان موقفها الرافض له، وعدم الالتزام بما ورد فيه.

3- أما على الصعيد العراقي فتتعهّد إيران بترشيد تصّرف القوى المؤيدة لها، وتوجيهها نحو التصدي للجماعات الإرهابية (يعني المقاومة وجماهيرها)، وهذا يستوجب مساهمة القوات الأميركية بالعمل إلى جانب القوى المناوئة للإرهاب.

4- تبدي الولايات المتحدة تأكيد تجاوبها الإيجابي مع ما سبق، وتتعهد بتنفيذ حكم الإعدام الصادر بحق صدام حسين خلال مدة أقصاها أسبوع من تاريخ صدور قرار مجلس الأمن المشار إليه.

.. يبقى القول أن قرار مجلس الأمن قد صدر يوم السبت 23 ديسمبر/ كانون الأول 2006، أما تنفيذ جريمة الإعدام فقد تمّ فجر السبت 30 ديسمبر/ كانون الأول 2006، قبل ساعة واحدة من طلوع النهار.. وقبل ساعة واحدة من انتهاء مدة الأسبوع!!

هذه الحقائق لا يمكن طمسها مع الأيام، وستأتي اللحظة التي ستنكشف فيها، مهما تطورت الأمور أو تعقّدت، وحتى لو انتكست وأدت إلى وجوب تأديب إيران لأي سبب من الأسباب، خصوصاً بعد فضائح أشرطة الإعدام.

.. ومع ذلك ما زال معظم حكامنا يعترضون - فقط - على التوقيت صبيحة العيد.. لا أكثر!!



سينشر في العدد القادم من البيادر الذي سيصدر يوم الخميس القادم

مع تحياتي



للمزيد من التفاصيل والاخبار تابعوا صفحتنا على الفيس بوك


شارك المقال أصدقاءك:

لندك ان جوجل بلس أضافة للمفضلة طباعة المقال
826

لا تدع الأخبار تفوتك، أحصل على آخر الأخبار على بريدك:
تعليقات حول المقال
  • الغرض من خدمة التعليقات هي إيضاح وجهات النظر المختلفة فنرجو إلتزام الموضوعية والجدية في التعليق
  • "التعليقات تمثل أصحابها" ، فالرجاء عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
0  تعليق




لاتوجد تعليقات الأن. كن أول شخص وأكتب تعليقك على المقال
No comments yet. Be the first and write your comment now




أضف تعليقك :
الأسم *
الموضوع
كود التحقق *
التعليق (الأحرف المتاحه: --) *
 *حقول لا يجب تركها فارغة

 



 
 
حمل تطبيقاتنا على جهازك أو هاتف الذكي وتابع معنا آخر الأخبار والمستجدات
 
 
 
كاريكاتيرات
 
 
فيديو
 



 

[ الكتابات والآراء تعبر عن رأي أصحابها ولا تمثل في أي حال من الأحوال عن رأي إدارة يمن برس ]  -  جميع الحقوق محفوظة لـ يمن برس 2006 - 2019 ©