الصفحة الرئيسية / كتابات وآراء / الكلاب والمدفعية
مروان الغفوري

الكلاب والمدفعية
السبت, 26 ديسمبر, 2015 09:05:00 صباحاً

تمثل محافظة تعز حوالي ٨٪ من سكان الجمهورية اليمنية، بحسب التقديرات السكانية للعام ٢٠٠٩. تعيش نسبة كبيرة من السكان خارج المحافظة، في الداخل والشتات. قرى المحافظة التي كانت حتى مطلع التسعينات لا تزال مزدهرة، عبر اقتصاد ريفي متواضع ونشط في آن، انهارت بفعل حروب صالح المتكررة، وزحف الريف على المدينة. وقوف نظام صالح إلى جانب النظام العراقي في احتلاله للكويت دفعت ثمنه القرية في اليمن، وفي تعز تحديداً، تلك التي كان سوقها المحلي الصغير يعتمد إلى حد كبير على التحويلات المالية من الخليج. شيئاً فشيئاً صارت مدينة تعز هي القرية الأكبر.
لأسباب عديدة، تاريخية ـ سوسيولوجية وسيكولوجية، نشطت مسألة التعليم في تعز، بالمقارنة بسواها في اليمن. في عزلة واحدة، قدَس، توجد ١٦ مدرسة ثانوية، طبقاً لإحصائية محلية. على مر الأيام هاجر أبناء تعز إلى المحافظات والمُدن كحرفيين ومعلمين وناشطين حزبيين واختصاصيين وعمال حراج. مدينة الثلاثة مليون نسمة وزعت ملايينها على اليمن، وهو ما كان صالح يدركه جيداً. كانت، ساعة الهجوم عليها، تعيش خارجها.
قبل عاصفة الحزم بأشهر سيطر صالح على مدينة تعز عبر معسكراته المتواجدة بداخلها وعلى حدودها. كما أخضع باقي المحافظة عبر شبكة المؤتمر الشعبي العام، حزبه. حزب صالح نشط أيضاً كمتعهد للمقاتلين، زود جماعة الحوثي بكتائب كبيرة سقط منهم كثيرون في مدن الجنوب كأسرى وقتلى. وبعد الهزيمة في الجنوب انضموا إلى صفوف الحوثي في تعز. مدينة المدارِس والأغاني وجدت نفسها فجأة أمام ثلاث جبهات: شبكة المؤتمر من الداخل، جبهة الحوثي من الخارج، ومعسكرات صالح من كل الجهات.
تشكلت المقاومة في تعز فجأة، وتقدمها الحزبان الناصري والإصلاح بما لدى الحزبين من عمق في المحافظة. كان التيار السلفي، أيضاً، في الطليعة، وسرعان ما صارت مقاومة تعز هي مقاومة الإنسان العادي، البطل الشائع الذي يصعب تصنيفه.
هدأت حروب الشمال، ووقعت المحافظات رهينة في يد تحالف صالح والحوثي. بحسب رواية حميد الأحمر، الشخصية القبلية المعروفة، فإن ٥٠٪ من قبيلته التي كانت تقاتل الحوثي صارت تقاتل معه. أصبح لدى الحوثي وفرة من المقاتلين. خروج الحوثي من الجنوب دفعه أكثر من ذي قبل إلى تعز. بقيت تعز، منذ تحرير الجنوب، منطقة حرب مفتوحة. بالموازاة كانت البيضاء ومأرب تخوضان حرباً مع الحوثي، لكن تعز كانت هي الجبهة الأكبر. فهي بوابة الجنوب، وبوابة الشمال، وهي حجر الدومينو الكبير الذي لا بد وأن يبقى واقفاً، ولا يسقط.
عبر الطريق البحري حشد الحوثيون مقاتليهم. توغلوا في محافظة تعز من الغرب، ميناء المخا، حتى تخوم المدينة. معسكرات صالح الواقعة شمال المدينة تحولت لمعسكرات حوثيين ومخازن ذخيرة، كما قامت بقطع طريق تعز مع باقي المحافظات الشمالية ومع العاصمة. مرة أخرى توغل الحوثيون جنوب محافظة تعز وقطعوا طريقها مع لحج وعدن جنوباً. بقي لتعز منفذ وحيد، عبر مديريات الحجرية يوصلها بمحافظة لحج. استدار الحوثيون حول خاصرة جبل صبر مؤخراً وقطعوا ذلك الطريق من خلال سيطرتهم على المسراخ ونجد قُسيم.
صارت تعز، المدينة الصغيرة، محاطة من كل الجهات، وتتساقط عليها آلاف القذائف العشوائية من كل مداخلها. لم يمض سوى وقت قصير حتى نفدت مخازن الغذاء والغاز المنزلي والبنزين، وغرقت تعز في ظلام دامس وجوع قاسي، وانهارت شبكة مشافيها. بالتوازي لم تتوقف مدفعية الحوثي، ولا حشوده القادمة من باقي المحافظات. سقط الأطباء والفنيون والمسعفون تحت نيران المدفعية الحوثية. بحسب تعبير مراسل الجزيرة من المدينة، فالمواطن في تعز ينتظر قذيفة في أي لحظة. تلك المدينة الصغيرة كانت، رغم قلة حيلتها، المزود الوحيد للمؤنة والحياة لريف واسع يشكل أكثر من ٨٠٪ من مساحة المحافظة. عزلت تعز عن ريفها كلياً، وعن العالم. وطبقاً لكلمات كاتب من تعز: في الليل لا ترى النور ولا تسمع سوى أصوات المدفعية تتخللها أصوات الكلاب.

* من حائط الكاتب على موقع فيس بوك

للمزيد من التفاصيل والاخبار تابعوا صفحتنا على الفيس بوك


شارك المقال أصدقاءك:

لندك ان جوجل بلس أضافة للمفضلة طباعة المقال
511

لا تدع الأخبار تفوتك، أحصل على آخر الأخبار على بريدك:
 آخر أخبار يمن برس
الحكومة الشرعية تجتمع بممثلي البنوك والصرافين لإتخاذ إجراءات للحفاظ على سعر العملة
‏في سابقة خطيرة.. وزير حوثي يطالب بوقف الدراسة وتجنيد الطلاب للقتال في الجبهات
قوات الحماية الرئاسية تبدأ تجهيزات معسكر تدريبي ضخم شرق العاصمة عدن
الحوثيون يتهمون قياديا مؤتمريا «مختطفا» لديهم بالتخطيط للعمل المسلح ضدهم
غارات مرعبة للتحالف تستهدف المعقل الرئيسي لزعيم الحوثيين بصعدة
اتصالات وتحركات لاجتماع طارئ في الرياض.. خطة جديدة لدول التحالف باليمن
 
تعليقات حول المقال
  • الغرض من خدمة التعليقات هي إيضاح وجهات النظر المختلفة فنرجو إلتزام الموضوعية والجدية في التعليق
  • "التعليقات تمثل أصحابها" ، فالرجاء عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
0  تعليق




لاتوجد تعليقات الأن. كن أول شخص وأكتب تعليقك على المقال
No comments yet. Be the first and write your comment now




أضف تعليقك :
الأسم *
الموضوع
كود التحقق *
التعليق (الأحرف المتاحه: --) *
 *حقول لا يجب تركها فارغة

 



 
 
حمل تطبيقاتنا على جهازك أو هاتف الذكي وتابع معنا آخر الأخبار والمستجدات
 
 
 
كاريكاتيرات
 
 
فيديو
 



 

[ الكتابات والآراء تعبر عن رأي أصحابها ولا تمثل في أي حال من الأحوال عن رأي إدارة يمن برس ]  -  جميع الحقوق محفوظة لـ يمن برس 2006 - 2014 ©