الصفحة الرئيسية / كتابات وآراء / تعليم على وقع القذائف
وئام عبد الملك

تعليم على وقع القذائف
الخميس, 21 يناير, 2016 08:39:00 مساءً

سابقت خطواتي،، خطوات الأطفال من مختلف الأعمار، وهم متوجهين إلى البقالة، لشراء الحلوى بعد خروجهم من المدرسة، نعم" المدرسة"، التي انقطعوا عنها منذ بضعة أشهر.
مدرستهم في حينا-الواقع في قلب مدينة تعز - هي عبارة عن غرفة واحدة في المسجد، تم تقسيمها بواسطة الستائر، إلى فصول، وضم كل فصل مجموعة من الطلاب، وفي تلك المدرسة قبل شهر وعشرين يوما بدأ عامهم الدراسي، وبعد شهرين وعشرة أيام، سينتهي ذلك العام، نعم ينقضي العام الدراسي خلال أشهر قليلة وهذا هو المتاح، فالجميع في المدينة التي ظلت لعقود تصدر العلم والثقافة، يحاولون- كيفما اتفق- أن لا يسمحوا بضياع مستقبل كل أولئك الأطفال.
البعض من الطلاب كان يرتدي الزي المدرسي، وآخرين لا، لا يهم، فهم جميعا يحملون الأقلام والدفاتر والكتب، بعد أن غابت عن أيديهم لأشهر، ويزدانون بالسعادة التي لم نعد نعرفها نحن الكبار، في ظل كل هذه الفوضى التي تعم كل شيء حولنا.
عادت الحياة إلى وجوههم، بعد أن سلبتها الحرب من أرواحهم، وأورثتهم مكانها الخوف والقلق والحزن.
مخلوقات الرب الصغيرة، كانت تملأ الشارع الفرعي الذي يقع فيه المبنى الذي يدرسون فيه، وذكرتني بالصيف الذي يعمل الجميع فيه بدأب، هناك حين الموطن الأول لأرواحنا.
أثناء سيرهم سقطت قذيفة على مقربة منهم، حدقت أعينهم جميعا نحو دخانها، لكنه تلاشى بسرعة، فحجمها كان صغيرا، لكنها لم تقتل أحد هذا الصباح كما اعتادت القذائف أن تفعل هذا دوما هنا في تعز، دون أن تميز بين الصغار أو الكبار، وحين تأكدوا بأن الدخان الذي أخذ أحلامهم السعيدة معه، عادت قلوبهم ثانية من بعيد، حيث العالم الذي لا يشبه أرواحهم النقية، وخفقت ثانية بالحياة، مزيحة من طريقها، الخوف الذي سكن قلوبهم طوال أشهر.
هم يتوجهون كل صباح إلى مدرستهم، وفي الطريق يتبادلون مع بعضهم قصص زملائهم الذين بعثرت قذيفة دفاترهم وأقلامهم، وقتلت دون رحمة أحلامهم، ويلتقطون بكثير من الحنين صور مدارسهم التي تحتفظ بها حافظتهم، ويشاهدونها وقد تم تدميرها أو تحويلها إلى ثكن عسكرية أو سجون.
هم يدخلون بأقدامهم الصغيرة بيت الله، يجدون الله( السلام) وحده، ولا يجدون السلام في البشر، الذين لا يكترثون لأمر استهداف حتى بيوت الله التي تحول بعضها إلى أماكن للتعليم.
أولئك الصغار يبتسمون، لأن قلوبهم البيضاء لا تعرف غير أن تبتسم وتنسى؛ لنبقى نحن الكبار خجلين من قلوبنا، التي حين تغرق بأهوائها ، لا تكترث قط لأحلام الصغار، أو تطرد الخوف من قلوبهم الذي تسببنا نحن به.
وأنا أشاهدهم كسرب الحمائم، تعجبت، فكيف لا تخجل منهم القذائف التي تتربص بأطفالنا، وحجم بعضها بتجاوز حجم أجسادهم، وأتساءل، كيف لا يجدون من يقتلون لغة غير لغة القتل والعنف، وهم يستمعون إلى وشوشات أولئك الصغار، وحركاتهم البريئة، وإيماءاتهم العفوية التي شكلت لغة.
في هذا الصباح البارد، أنفاسهم وبهجتهم كانت الدفء للمكان الخالي من أوهامنا والمسكون بالملائكة الصغار حاملي الحقائب والأرواح الشفافة.
صغار مدينتنا الأجمل، أهليكم الذين أعطوكم الحلوى، على الرغم من الظروف القاسية جدا، سوف يجعلون مدينتكم تبتسم غدا، وسيعود رفاقكم المهجرين إلى حضن المدينة التي ستتسع ثانية لكل أبنائها.

للمزيد من التفاصيل والاخبار تابعوا صفحتنا على الفيس بوك


شارك المقال أصدقاءك:

لندك ان جوجل بلس أضافة للمفضلة طباعة المقال
243

لا تدع الأخبار تفوتك، أحصل على آخر الأخبار على بريدك:
 آخر أخبار يمن برس
مليشيا الحوثي تشكل غرف عمليات لاستقطاب الأطفال والزج بهم في جبهات القتال
نجاة نائب رئيس الوزراء «جباري» من محاولة اغتيال في منطقة طور الباحة بلحج
«الحوثي» يستعد لمحاكمات جماعية لأتباع صالح تمهيداً لتغيير الخريطة السياسية لصنعاء
محافظ تعز: الإمارات هي السبب في تعثر المعركة والتحالف العربي لا يدعم القوات الحكومية في المحافظة
مليشيا الحوثي تقتحم مستشفى جامعة العلوم والتكنولوجيا بصنعاء وتحاول إغلاقه
تحطم طائرة إماراتية في اليمن جراء خلل فني ومقتل طيارين
 
تعليقات حول المقال
  • الغرض من خدمة التعليقات هي إيضاح وجهات النظر المختلفة فنرجو إلتزام الموضوعية والجدية في التعليق
  • "التعليقات تمثل أصحابها" ، فالرجاء عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
0  تعليق




لاتوجد تعليقات الأن. كن أول شخص وأكتب تعليقك على المقال
No comments yet. Be the first and write your comment now




أضف تعليقك :
الأسم *
الموضوع
كود التحقق *
التعليق (الأحرف المتاحه: --) *
 *حقول لا يجب تركها فارغة

 



 
 
حمل تطبيقاتنا على جهازك أو هاتف الذكي وتابع معنا آخر الأخبار والمستجدات
 
 
 
كاريكاتيرات
 
 
فيديو
 



 

[ الكتابات والآراء تعبر عن رأي أصحابها ولا تمثل في أي حال من الأحوال عن رأي إدارة يمن برس ]  -  جميع الحقوق محفوظة لـ يمن برس 2006 - 2014 ©